السبت، 31 ديسمبر 2011

مسؤوليتنا الوطنية وطبقات المرشحين الثلاث


مسؤوليتنا الوطنية وطبقات المرشحين الثلاث

لاشك إننا نرنوا مستقبلا يشرق بالأمل ، لنرى بلادنا تزدهر ، لاشك إننا مللنا التخلف وخيبة الأمل ، لاشك إننا نريد لكويتنا الأفضل ، فقد مررنا بأيام عصيبة على أغلب الأصعدة ، واختلطت خيوط الظلمة بأشعة الشمس أو إننا فقدنا التميز بينهما ، أياً كان فنحن كمواطنين أصحاب المسؤولية الأساسية في هذا البلد لتطوره ورقية ، وإن كانت مسئوليتنا ليست مباشرة ولكنها مؤثرة ألسنا مصدر السلطات ، أليس مجلس الأمة هو ذراعنا الذي استطاع يوما عزل أمير وتعين آخر ، ولنا عبره سلطة الرقابة والتشريع والمحاسبة السياسية ، إذن الخلل منا والضرر علينا ، والإصلاح يبدأ منا ليعود بالنفع علينا .

تبدأ مشكلتنا في الإختيار دائما ، وغالبنا ما نعرف الأشخاص الصالحين ، ولكن يحول بيننا وبين إيصالهم لمجلس الأمة أمور أبرزها ضعفهم ، فهذا الأصلح ضعيف وذاك الصالح ضعيف ، وغالبا تحترق كثير من الأصوات ليأخذ أحدهم مركز متقدما بفرق شاسع ، ويخسر الكثير من الصالحين .

ولا أعتقد إن هناك خلاف كبير بين الناخبين ، إن فوز الأفضل مهم ، ولكن إن لم يمكن فوز الأفضل لماذا ندع الأسوأ هو الذي يفوز ويصل لقبة البرلمان ليمثلنا ؟

ولماذا لا ننتقل من الأفضل إلى التالي له بالفضل وهكذا ؟

فهناك معيارين أساسيين في هذا المضمار ، أن يكون المرشح ذو فضل ، وأن تكون هناك إمكانية لفوزه حتى لا يحرق الأصوات على التالين له بالفضل فنخسر الجميع .

وعلينا كلنا أن نفكر بوصول الكفاءات التي نريدها ، ولذلك يمكن أن نقسم المرشحين من الذين نقبلهم أو نرى بهم الفضل على غيرهم إلى ثلاث أقسام :
الأول : المرشحين الذين يضمنون فوزهم أو هناك احتمال عالي جدا لفوزهم ، سواء كان ذلك لمحبوبيتهم العالية وقوة قواعدهم وقبولهم عند أبناء الدائرة ، أو لكونهم مرتبطين بتجمعات وأحزاب لها قواعد تؤهل مرشحيها للفوز .
والقسم الثاني هم أولئك الأفاضل الذين لهم قاعدة جيدة ويقتربون من دائرة الفوز ويحمون حولها .
والقسم الثالث : هم أولئك الأعزاء الذين يمكن أن نحبهم ونريد أن نرضيهم أو نريد أن نبرزهم ولكن المتوقع لهم وقت التقييم عدم إمكانية فوزهم ، فغالبا قواعدهم محدودة ، والضغوط ضدهم قوية وفعلهم مقابلها ضعيف ، فتكون خسارتهم مسلمة أو شبه مسلمة .
وهكذا نجد صوتين "محروقين" أو قل ضائعين ، أحدهما الصوت الذي يعطيه الناخب للقسم الثالث من المرشحين الذين نقطع بعدم تمكنهم من الوصول للمجلس ، فالأفضل من أن نرضي أحباءنا من هذا القسم بصوت ، هو أن ينسحب المرشح حفاظا على أصواتنا من الضياع ، ولتمكين غيره من ذوي الكفاءة ، والصوت الآخر الضائع هو الصوت الذي يعطيه الناخب لرفع مرتبة المرشح الذي ضمن أو شبه ضمن فوزه بمرتبة متأخرة ، فيعطى الصوت ليس ليفوز بل ليصل لمرتبة متقدمة ، ولعل الفرق في بعض الأحيان بين جعل بعض المرشحين في المرتبة الخامسة وترقيته للمرتبة الأولى كفيل بفوز مرشح آخر ذو كفاءة ، فماذا لو تكرر هذا الوضع مع أكثر من مرشح ، ألا نخسر نحن كمواطنين نائب كفء آخر أو أكثر ؟
أما القسم الثاني من المرشحين فهؤلاء الصوت فيهم ذو فائدة فاحتمالية الفوز بعد استثناء الأولين تكون عالية ، وإن فاز بعضهم بعدد صغيرة نسبيا ومن لم يفز منهم كان على حافة النجاح .
وأما تقيم وضع المرشح في أي مرتبة ، تارة يكون واضحاً منذ الأساس وقبل الشروع بالترشح سواء كان سلبيا أو إيجابيا ، ثم يمكن تقييمه في الأيام الأخيرة من الانتخابات آخر أسبوع تقريبا ، فيظهر المرشح الذي لم يستطع الوصول لمقبولية عالية ، وهنا على من رأى خسارته محققة أو شبه محققه أن ينسحب ليفتح المجال لغيره من الأفاضل خدمةً لما يحمل من هم وطني ، ومن ثم ليلة الانتخابات حيث تبدأ القرارت تتخذ والمتغيرات تكون أقل ، والأهم يوم الانتخابات وقبل إقفال الصناديق حيث يظهر من وصل لمرحلة الآمان ومن صار بعيدا جدا عن جبر نقص الأصوات عنده ، كما يظهر من يحتاج القليل من الدعم ليصل للقبة البرلمان .
أما السؤال الأهم والأصعب إجابة وتطبيقاً : من هو القادر على التقييم في اليوم الأخير وفق ما تقدم ؟
إن كان المرشح أو النائب إنسان وطني نزيه ويريد الخير للكويت ، عليه أن يكون صادقاً مع نفسه وغيره ويخرج من دائرة الأنانية في اللحظات الحساسة الحاسمة ، ويكشف المعلومات ولو في وقت متأخر حتى يساعد غيره ، وإلا عليه – وعليهم كمجمل المرشحين - تحمل النتيجة المرتبة على أراء الناخبين والمراقبين التي تحاول استشفاف الواقع عبر الظواهر من كلمات وأحداث وسلوكيات في ذك اليوم ، حتى تكون مخرجاتنا كأفضل ما يمكننا لكويت تشرق بمستقبل مزدهر  .






الجمعة، 23 ديسمبر 2011

حكاية ابنة البواب ... (قصة قصيرة)



حكاية ابنة البواب 

وقفت أنتظر المصعد ، فأتت الطفلة إلى جانبي واقفة تنتظره معي ، حين وصل ، فتحت الباب فدلفت إليه قبلي ، مددت يدي أضغط على الطابق الذي أريد ، فسألتها عن مرامها ، كانت قد رفعت يدها علياً تضغط على الزر الموصل إليه وهي تخبرني ، أنه فوقي بطابقين .


تأملتها فهي كما رأيتها منذ أيام ، حافية القدمين ، متسخة الوجه واليدين ، وطبعا جمعت رجلاها أوساخ البناية والشارع الموصل للدكان ، حين رأيتها أول مرة كان في بداية سكناي في هذه الشقة ، فقد سألني البواب إن كنت أريد شيئاً من الخارج ، فطلبت منه أربع قنانٍ من الماء وعلبة من الشاي ، وأعطيته النقود .

سمعته حينها يأمر فتاة بإحضار الطلبات ، بعدها بقليل أتت هذه الصغيرة بجديلتيها التي هربت منها شعراتٌ حزينة لتحكي هوان الفاقة وذل الأيام ، وعينيها اللتين لم تستيقظا من النوم بعد ، وهي محملة بالطلبات ، تأملت الأب والطفلة ، يا لقسوته ، كيف يحمل طفلة لا تتجاوز بحال السادسة من عمرها هذه الأثقال .

وها هي أمامي ثانية ، تخطو بحلتها الخَلِقة ، صاعدة لتُنزل معها أعباء الحياة ، سألتها مستفهماً مداعباً :
-         كم عمرك يا صغيرتي ؟
-         أحد عشر سنة ! .
ذهلت وقلت :
-         ما شاء الله كبيرة ، لا يظهر عليك .

تبسمت فرحاُ ، وتبسمت لها أساً ، وتوقف بنا المصعد لأخرج ، وتكمل هي طريقها للأعلى ، حيث ستعاود النزول إلى أسفل الدرج ، ولن تصعد إلا جوازاً لتعاود الهبوط ، تألمت لضآلة جسدها الهزيل ، الذي يُتنهك في كل ساعة بأعمال المترفين الشاقة على تلك البنية الذابلة ، ومن يدري إن لم يجد من يرحمه ، هل تنتهك حرماته بعد أيام أو شهور حين تتفجر منه مفاتن الصِبا ؟

عندما خرجت من ذاك المنزل ، ترقبها قلبي فوجدها ، مددت لها ببعض القطع النقدية ، أصررت أن تذهب لتصرفها الآن ، محاولاً بذلك مداعبة آخر خصلات طفولتها .

الأحد، 4 ديسمبر 2011

دستور يا مطرقة دستور ...

دستور يا مطرقة دستور

" أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا للوطن وللأمير وأن أحترم الدستور وقوانين الدولة وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله وأؤدي أعمالي بالأمانة والصدق " هذا هو القسم الذي يؤديه عضو مجلس الأمة كي يتولى أعماله وفق المادة 91 من الدستور ، وبإطلالة سريعة على كلماته نعي الدور العام الذي يجب أن يقوم به النائب بما ينطوي عليه من مبادئ وأخلاقيات تحفظ النظام العام للدولة وحقوق المواطنين ، ولكن كم نائب حنث بهذا القسم ، وهل علينا كمواطنين محاسبة النواب على عدم التزامهم بقسمهم ؟

تحت ذريعة تلك المفاهيم الحقوقية الدستورية ولدت الأزمات المتعاقبة على الكويت في الفترة الأخيرة ، كما ولدت الكثير من المواقف التي امتزج بها الخبيث بالطيب ، وضاعت خارطة الحقوق بين الشعارات والمواقف والممارسات ، واختلط الحابل بالنابل ودخلت أكثر من عقدة في منشار يفترض أن يشق الطريق لغد أفضل ، كما ضاعت المبادئ أو على الأقل لم نعد نميز من يتحرك وفق المبادئ الإنسانية الحقوقية العامة ومن يمتطيها لخدمة مصالحه أو فرض أيديولوجيته بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة .

فالحراك الذي حاول البعض إظهاره على إنه شبابي وهو نيابي برتبة وحزبي بأخرى ، فقد امتطى "الرموز" تحت عنوانه "الحراك الشبابي" كل الوسائل المتوفرة لتحقيق أغراضهم كما عقدت تحت نفس العنوان بعض الصفقات السياسية ، وهناك من كان يصفي حساباته مع سمو رئيس الوزراء السابق من على نفسه الصهوة ، وكل الأطراف تعتقد إنها بالنهاية سوف تفوز بفرض سيطرتها على السلطة في الكويت ، وهذا ما سيولد خلافا جديدا وكبيرا بين خصوم الأمس أصحاب اليوم ليعودوا أعداء حربيين في المستقبل .

وما ممارسات بعض النواب المتناقضة بين تحقير الدستور والقانون والوصاية على الحريات وقمعها في مواقف ، واحترمهما والذود عنهما في أخرى ، إلا صورة تبين مدى بعد هؤلاء عن البر بقسمهم ، والكلام نفسه يجري على المعارضين الجدد ، فهم بين الشعارات الرنانة والممارسات المختلة ، فالأصوات تعلوا وتنخفض وفق المصالح لا المبادئ ، وما "مطرقة" الرئيس إلا صورة تبين مدى الاستخفاف بالدستور والقانون ، فهناك أصوات علت مفتخرة بقدراتها الجسدية على فرض ما لم يستطيعوا فرضه عبر صناديق الاقتراع واستباحة مجلس الأمة بالقوة والكثرة كنوع من انواع الديكتاتورية والاستبداد بالقرار ولكن من مجموعة من الشعب لا من الحاكم ،وبين تسخيف لقوانين وفرض مفاهيم كاقتحام المقرات المقفلة وان لزم الاعتداء على رجال الأمن ، وسرقة الأموال عامة والخاصة بهدف الاستخفاف وغيرها يراد لها أن تكون مفاهيم وممارسات سياسية ، وبين التصفيات والمصالح والحركات القبلية والطائفية، تطور الحراك الوطني عند آخرين بنفس القوة لأهداف ومطالب حقوقية نزيهة ، ولكن بفقدانهم الغطاء النزيه فانطووا تحت الممارسات اللا أخلاقية الممجوجة للمعارضة الجديدة بشكل مباشر أو غير مباشر ، ليكونوا من غير قصد معاول هدم بيد الوصوليين .

فالفساد لن تقضي عليه معارضة أفسد من الحكومة بلا مبادئ ولا أهداف واضحة تمتطي القبلية والطائفية وتدس سمومها بعسل الوطنية لتمزق البلد وتفوز بما تريد وان "لجت" الشارع بالشعارات الوطنية الرنانة ، فنحن بحاجة ماسة وشديد لاصطفاف معارضي وطني جديد ونزيه ، يضع ميثاقا لمبادئ وأهداف إنسانية واضحة لا يحيد عنها يمكنها جمع كل وطني وإن أبعدت كل وصولي وكل متطرف ، حتى نعبر بالكويت من عنق الزجاجة التي طال أمد انحشارها فيها .

خربشة :
نبارك للنائبين أبورمية والبراك تكليف سمو الشيخ جابر المبارك رئيسا للوزراء !!

الاثنين، 28 نوفمبر 2011

البحرين ثورة الكرامة العربية


البحرين ثورة الكرامة العربية

إن الإغفال العالمي والتلاعب الدولي الاستثنائي والمقزز لحقوق شعب البحرين ليس وليد الانشغال بغيرها ، فأهميتها الجيوسياسية يفترض أن تضعها في بؤرة أنظار العالم وأخباره ، ولكن نفس هذه الأهمية الإستراتيجية هي التي تجعل العالم المتهالك يتغافلها .

فالبحرين تحت النظام القائم تمثل جزء مهم من المصلحة الغربية عموما ومن المصلحة الصهيوأمريكية خصوصا ، وتزداد أهميتها بمراتٍ مضاعفة إن خرجت عن إرادة العم سام .

فإن قلنا إن للخليج أهمية إستراتيجية لوجستية للمصلحة الأمريكية في ضفته الغربية بعد امتناع الضفة الشرقية عليه من حيث النفط وإمداداته وتحرك قواتها وإمداداتها في المنطقة ، ودعم وإمداد حلفائها أيضا كما حدث في حرب تموز ، فالبحرين في قلب الضفة الغربية من الخليج ، وموقعها إذا ما اختلفت مع المصالح الصهيوأمريكية يقطع الطريق من جهتين ، فمن جهة الإمداد الأوفر من النفط من عمق الخليج إلى مدخله ، ومن جهة أخرى إمداد السلاح والعتاد من رأس الخليج إلى عمقه وإلى ما هو أعمق من العمق دولة العدو .

وكما لا يخفى فإن السيطرة الأمريكية على المنطقة لا تنبع من حب الشعوب ولكن من المصالح المتبادلة مع الحكام ، فلذلك بقاء الحاكم في مكانه يمثل مصلحة صهيوأمريكية مباشرة لضمان السيطرة الأمريكية واستمرار إمدادات النفط وأمن واستقرار دولة العدو .

فخروج البحرين من إدارة الحاكم التابع للحكام الحر تعني إنه متى ما وقعت واقعة أو حرب بين الكيان الغاصب والعالم العربي أو الإسلامي فهذه الدولة ستكون ضد "الكيان الصهيوني" ، ويمكنها بموقعها بدل أن تكون مركزا لوجستيا صهيوأمريكيا أن تكون مركزا لوجستيا للعالم الإسلامي ، كما يمكنها منع الإمدادات من الجهتين .

كما إن وصول حاكم حر لا يرتبط بالإدارة الأمريكية يمكن أن يكشف الكثير من أسرارها في هذه المنطقة ،كما يمكن أن يكشف كل ما يضر مصالحها وتحركاتها ضمن مجلس التعاون الخليجي ، كما إن هذا الشعب إذا ما انتصر ستتبعه شعوب المنطقة إما لنفس الحراك المضر بمصالح الغرب ، أو على الأقل لفرض إرادة الشعوب في الأزمات وبالأخص في ما يتعلق بدولة العدو ، ما يعني عدم التطبيع مع الكيان الصهيوني في أي حال من الأحوال ، بل الوقوف ضده وضد وصول الإمدادات له في حال قيام حرب من كل دول الخليج .

لذلك فثورة البحرين ليست ثورة شعبها فقط فهي ثورة الأمة العربية والإسلامية بل والإنسانية كلها ضد الطغيان ، وعدوها ليس حاكمها فقط بل إن العداء يتمدد ليدخل في طرفه كل من له مصلحة لا يريد فواتها من بعض حكام المنطقة أو من الدول الكبرى أو حتى من المنظمات العالمية التي ترتبط بدولة العدو ، وبما أن شعب البحرين يمثل كرامتنا فكلنا شعب البحرين وعدوه الذي يريد سلب حقوقه عدونا وعدو الأمة بأسرها لا عدو الشعب فقط ، فعلينا كلٌ في موقعه أن يبذل قصارى جهده في إنجاح هذه الثورة علنا نسترد شيء من كرامة هدرت تحت المدافع والمصالح منذ عقود .

السبت، 26 نوفمبر 2011

ترك البديهة ... "احراق العقيدة"

"احراق العقيدة واثبات الحقيقة" 


اسم لمجموعة من البحوث أو قل كتاب ، يتعلق بالتفكير بالمسائل العقائدية وبعض الأخطاء الشائعة فيها ، كنت قد كتبته قبل اربع سنوات أو أكثر ، ولكني انشغلت عن تصحيحه ونشره .. 


وخطر في البال أن نشره على بحوث "مواضيع" متفرقة .. وأسأل الله التوفيق والسداد ..


الموضوع / الأول
إحراق عقيدة ترك البديهة
هناك من يعتقد إن للإنسان مخالفة الضروريات البديهيات ليثبت عقيدته الدينية ، كالذين يرون إن الواحد في حال كونه واحد هو عين الثلاثة في حال كونها ثلاثة في نفس الوقت من نفس الجهة ، أو إن الله عز و جل في جهة و ليس في واحدة من الجهة الست الفوق و التحت و الأمام و الخلف و اليمين و اليسار ، أو إنه بذاته بجهة فوق و جهة تحت و الفوق غير التحت و لكنه ليس متغير !!

و لبيان فساد هذه العقيدة نقول :
إن فسادها من البديهيات ، و لكن لا يمكن أن نستدل على فسادها بالبداهة لأن المخالف لا يعتقد بحجية البديهي ، فلا بد أن نعرف البديهي ونقوم حجيته بالطريق العقلية .

 فنعرف بالبديهي أولا : بأنه هو العلم الذي يحصل بالمفاجئة و الارتجال دون الحاجة إلى تفكير .

و مثال ذلك : أن يأتيك شخصان ببرتقالتين و يقولان لك اقسم الكمية علينا ، فإنك من غير تفكير سوف تعطي كل واحد من الشخصين برتقالة ، و هو كاعتقادك الجازم إن الواحد نصف الاثنين و أن الكل أعظم من الجزء مثل كل البحر أعظم من كوب منه .
و من البديهي العلوم الحسية التي لا تحتاج إلى عمليات عقليه كمعرفتك بأن الشمس طالعه حين تراها ، و إن القمر موجود حين تراه ، و إن الورق الذي أمامك أبيض و الحبر أسود ، و إنك تسمع الصوت أولا و صداه بعده ، و إن الماء المغلي الذي تضع يدك بجانبه حار و إن الثلج بارد ، و مثل هذه الأمور أكثر من أن تحصى .
تنبيه : أحيانا يجيب الشخص عن سؤال بسرعة و لكنه ليس من أصل بديهي بل هو من أفكار سابقة أصبحت كالبديهيات .
ثم نبين : إن العلوم التي يمتلكها الإنسان تأتي من التفكير و التفكير هو حركة العقل بين المعلومات للوصول إلى المجهول الذي نبحث عنه .

و السؤال :  كيف أتت المعلومات الأساسية التي استخدمها العقل للتفكير ؟

و جواب العقل على هذا السؤال : هي المعلومات التي كانت عند الإنسان و لم يحتج في إيجادها إلى تفكير ، و إلا لما استطاع العقل أن يفكر الآن و هو يقرأ الكلمات ، حيث  لن تكون عنده معلومات إلا بالتفكير و التفكير يحتاج إلى معلومات و المعلومات الأساسية غير موجودة ، إذن العقل يجبرنا على الاعتقاد بوجود معلومات أساسية ( بديهية ) لا يمكن أن نفكر من دونها و هي لا تحتاج إلى تفكير .

و هذه المعلومات تنقسم إلى أقسام :

أولا : الأوليات و هي الأمور التي يكون الحكم فيها ملازم لذاتها فلا يحتاج الحكم بها إلى أمر أخر غيرها خارج عنها حتى التفكير ، بل مجرد تصورها بطرفيها يجعلنا نصدق بها كالكل أعظم من الجزء .

ثانيا : الحسية و هي المعلومات التي نكتسبها بالحس دون تدخل العقل  ، و هي المدركات و المعلومات التي تكتسب عن طريق الحواس الخمس : البصر ، السمع ، الشم ، الذوق ، اللمس .

ثالثا : التجريبيات : و هي التجارب التي يقوم بها الإنسان و يكررها فيحصل عنده علم بتكرر النتيجة كلما كرر التجربة ، فيكتشف بالتجربة إن السبب في النتيجة اتحاد العلة التي لا يتخلف عنها أثرها ، مثال : إذا شاهد الإنسان نارا فوضع يده بقربها و شعر بالحرارة و كرر التجربة أكثر من مره فإنه سوف يكتشف إن العلة لوجود الحرارة هي النار و هذا الاكتشاف لم يكن بسبب التفكير بل بسبب التجربة و العلوم الحسية .

رابعاً: المتواترات : و هي الأخبار التي تطمئن لها النفس و يزول الشك بها و يحصل عند الإنسان الجزم و القطع بصحتها ، و ذلك يحصل بإخبار جامعة يمتنع اتفاقهم على الكذب و يمتنع خطأهم جميعا في فهم الحادثة ، مثال : إذا كان الشخص نائم و حين استيقظ قال له شخص : إنه قد حدث زلزال قوي ، فلعل السامع لا يصدق و لكنه إذا سار في الشارع و قال له البقال إن الزلزال وقع ، و قال له ثالث رآه بالشارع إن الزلزال وقع و رابع نفس الكلام و المخبرين لا يعرفون بعضهم فإنه سوف يتقن بحدوث الزلزال .

خامساً : الفطرايات : و هي القضايا التي يكون دليلها معها فكلما حضرت حضر الدليل و هذا الدليل من الأدلة التي لا تغيب عن الذهن كي يحتاج إلى التفكير فيها ، مثل : إن الثلاثة ربع الاثناعشر ، فهذا الحكم يحتاج إلى دليل و هو إن إي عدد قسم على أربعة فالناتج يكون ربعه و العدد 12 إذا قسم على العدد 4 يكون الناتج هو العدد 3 فيكون العدد 3 ربع العدد 12 .
و لعل الأغلب في هذا المثال لا يلاحظ هذا الدليل و لكن إذا غيرنا الأعداد فإن الذهن سوف يلاحظ الدليل فمثلا : إذا قلنا العدد 45 هو ربع العدد 180 فإن الذهن سوف يلتفت إلى الدليل لأنه لم يأنس بهذه الأرقام ، و دليلها واحد في جميع الحالات و هو إن أي عدد يقسم على العدد 4 يكون ناتجه ربع العدد الأول .

و أضيف إلى هذه الأقسام قسم آخر و هو الحدسيات و لكن لا نذكره كي لا تختلط المطالب على القارئ الكريم و هذه الأقسام المذكورة هي ما يعبر عنه بالبديهيات فهي لا تحتاج على تفكير بل هي أساسية لكل معلومات الإنسان .

فإذا اتضح هذا نقول : إذا رد الإنسان أي واحد من البديهيات فيجب عليه أن يرد جميع البديهيات إذ إن منشأها واحد ، و إذا أردت التفصيل فقل إذا رد الإنسان أي بديهي من أي قسم فيجب عليه أن يرد القسم بكامله .
و البديهيات لا يستغني عنها الإنسان فلا يستطيع ردها إذ حتى التفكير بها يعتمد عليها .
إذن ما خالف البديهي يجب أن نرده و لا يرد البديهي إذ إن رد البديهي يستلزم رد كل العلوم و المعارف البشرية بلا استثناء ، و متى ما كانت العقيدة مخالفة لهذا البديهي فيجب إما طرحها و إما طرح البديهي و كما ثبت فإن طرح البديهي ممتنع فيجب طرح تلك العقيدة التي تخالفه ، و متى طرحنا البديهي يجب طرح العقيدة كاملة لأنها نتاج أفكار و الأفكار تعتمد على البديهيات و البديهيات مطروحة بطرح تلك البديهية .







الاثنين، 21 نوفمبر 2011

مع مرتبة الشرف .... (قصة قصيرة)


مع مرتبة الشرف ...

إنها فاتنة جداً ..
وضعت رجلها على طريق الشهرة ممثلة و كاتبه و راقصة ..

قالت عن عرضها المسرحي : إن الناس لا يقدرون الواهب لجهلهم .

وقالت عن مسلسلها : لم يشاهده الناس لأنهم يحبون ابتذال تلك المجنونة الماجنة الخرفة .

وعن كتابها الذي لم يباع : إننا من أمة لا تقرأ ، ومن يقرئون لا يشترون إلا لمن يوجههم إليه النقاد الذين يقبضون .

قالتها بحزم إنها ظلمت و حوربت من بنات جيلها لتميزها منقطع النظير فهي الجمال والدلال والأخلاق والعلم والثقافة والأدب والمرونة والليونة .

نظرت في عينيه مبتسمة : إن المميزين مثلك هم من يقدرونني حقاً ، فأعاد تقديريه لمواهبها على ذات الفراش الذي طالما حصلت في أحضانه على تقديرها مع مرتبة الشرف !

الجمعة، 18 نوفمبر 2011

جرذان .. (قصة قصيرة)


جرذان ..

كان لنا بيت كبير في مزرعة ملأها الله لنا بالخيرات ، نربي حذائه الدواب ، وعندما دخلت الجرذان على الخيرات أحضرنا كلباً ، أخرج جدي الكلب لأنه يفزع الداجنات ، مرت أيامنا بسلام ، مات الجد ، ثم لحقنه الدجاجات .

 أتينا بالخبير فقال البلاء بالجرذان ، فضعنا السم ، فمات أحد الجرذان وقبل موته بصق السم في ماء البهائم فماتت ، حاولنا وحاولنا ولكن لم نجد حلاً إلا منع الطعام من البيت حتى لا يجدوا قوتهم ويرحلوا من حيث أتوا ، ولكنهم أكلوا أخضر النباتات وجذور الأشجار ، حفرنا نتتبعهم نقتلهم جرذاً تلو جرذ ، ولكنهم كانوا قد وصلوا أساس البيت .

فصبرنا على ما ابتلانا ربنا وقومنا جدران البيت الكبير ، وجمعنا كل رجال القرية وقاتلنا الجرذان حتى ظفرنا ، جلسنا نحتسي الشاي ، فخرج جرذٌ صغيرٌ منهم لم يمت ، ونثر النار من الموقد ليحرق البيت ومن فيه فمات بعض الرجال .

 أتى الطبيب يعاين قتلانا وسمع قصتنا مع الجرذان ، فنبش قبر جدي ، فحص بقاياه ، حمد الله إنه كان واهن الجسد مات سريعاً ، استغربنا فرحه بموت جدي الذي لا يعرفه ، ولكنه أخبرنا عن عضة في يده مسمومة بوباء لم يتحمله ساعات ، تساءلنا كيف عض ؟
فأخبرنا أبن عمي الصغير إنه رأى جدي يطعم الجرذان ويقول : إنها لنا جيران وضيوف إن أكرمناها ساعدتنا وإن لم تساعدنا فلن تضرنا .
 فقال حكيم القرية : لا تأوي لئيماً فأن أول يدٍ يعضها يد من أكرمه .